الشيخ محمد الصادقي
69
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
أم إنها لتأكيد النفي بين الحسنة والسيئة وللنفي بين مصاديق الحسنة ومصاديق السيئة ؟ فولة الزيادة زيادة من القول ، والنفي ثابت إذ تقتضيه « لا » والجمع أولى فإنه أجمع وأحلى ! فإذ لا تستوي الحسنة في أفرادها ، ولا السيئة في أفرادها ، فلا ينحصر دفع السيئة بسيئة أخرى ، فقد تكون سيئة لا تُدفع إلّا بسيئة فلا مجال إذاً لدفعها بحسنة ، فالمعاند المكذب بآيات اللَّه ، الذي لا يرجى هداه ، ولا تصُد هواه ، لا تُدفع سيئة بحسنة ، بل « جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ » « 1 » فالعفو في موضع الإصلاح دفع للسيئة بالحسنة ودرءٌ لها « وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ » « 2 » والعفو فيما لا يُصلح بل ويفسد هو سيئة بدل كونها حسنة ، ف « لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ » في مواردها ، وكذلك السيئة التي تُدفع بحسنة ، والتي تدرء بأية حسنة « لا تستوي السيئة » كذلك في مواردها ، ف « جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » لا تعم مواردها ، لاختلاف الحسنات ، والسيئة التي تُدفع بحسنة خير من حسنة لا تَدفع سيئة بل وتزيدها ، فلأنه « لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ » ف « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » ما أمكن الدفع ، وإلّا ف « جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » ! ثم الدفع بالتي هي أحسن ليس إلّا عن موضع القدرة ، فلئن أحس العدو موضع الضعف إخترم ولم يحترم ، ونفس الدفع يلمح إلى شريطة القدرة ، حيث العاجز لا يدفع ، لا بالتي هي أسوء ولا الأحسن ، فإنه ضعيف على أية حال ، « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ » . هنالك دفع للسيئَة وهو واقع بالتي هي أحسن وإن بقي العدو على عداءِة كامناً ، وليس « انه وَلِيٌّ حَمِيمٌ » إنما « كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ » يندفع عن ظاهر عداءه وايذاءه كولي
--> ( 1 ) . سورة الشورى 42 : 41 ( 2 ) ) . سورة الرّعد 13 : 22 . سورة القصص 28 : 54